الشيخ محمد هادي معرفة

151

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الشرق ، على نهر مجرى الرمل ، يُسمّى نهر أُردن ، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه ، يمطرون بالليل ، ويسقون بالنهار ، ويزرعون ، لا يصل إليهم منّا أحد ، وهم على دين الحقّ ، وذكر : أنّ جبريل عليه السلام ذهب بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أُسري به إليهم ، فكلّمهم ، فقال لهم جبريل : هل تعرفون من تكلّمون ؟ قالوا : لا ، فقال لهم : هذا محمّد النبيّ الأُمّيّ ، فآمنوا به ، فقالوا : يا رسول اللّه ، إنّ موسى أوصانا أنّ مَن أدرك منكم أحمد ، فليقرأ عليه منّي السلام ، فردّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على موسى وعليهم ، ثمّ أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكّة ، وأمرهم بالصلاة والزكاة ، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ، وكانوا يسبتون « 1 » ، فأمرهم أن يُجمِعوا ، ويتركوا السبت . وقيل : هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأوّل أصحّ ! ! « 2 » وهي من خرافات بني إسرائيل ولا محالة ، والعجب من البغويّ أن يجعل هذه الأكاذيب أصحّ من القول الآخر الذي هو أجدر بالقبول وأولى بالصحّة ، ونحن لا نشكّ في أنّ ابن جريج وغيره ممّن رووا ذلك ، إنّما أخذوه عن أهل الكتاب الذين أسلموا ، ولا يمكن أبدا أن يكون متلقّيا عن المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم . التفسير الصحيح للآية والذي يترجّح عندنا : أنّ المراد بهم أناس من قوم موسى عليه السلام اهتدوا إلى الحقّ ، ودعوا الناس إليه ، وبالحقّ يعدلون فيما يُعرَض لهم من الأحكام والقضايا ، وأنّ هؤلاء الناس وجدوا في عهد موسى ، وبعده ، بل وفي عهد نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وقد بيَّن اللّه تبارك وتعالى بهذا : أنّ اليهود وإن كانت الكثرة الكاثرة فيهم تجحد الحقّ وتنكره ، وتجور في الأحكام ، وتعادي الأنبياء ، وتقتل بعضهم ، وتكذّب البعض الآخر ، وفيهم من شكاسة الأخلاق والطباع ما فيهم ، فهنالك امّة كثيرة منهم : يهدون بالحقّ ، وبه يعدلون ، فهم لا يتأبَّون عن الحقّ ، ففيه شهادة وتزكية لهؤلاء ، وتعريض بالكثرة الغالبة منهم ، التي ليست كذلك ، والتي جحدت نبوّة نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فيمن جحدها من طوائف البشر ، وناصَبَته العداوة

--> ( 1 ) - . أي يعظمون السبت كاليهود . ( 2 ) - . تفسير البغويّ ، ج 2 ، ص 240 .